/ الفَائِدَةُ : (169) /

23/12/2025



بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. / هَوْلُ وخُطُورَةُ نبوَّة سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ/ /أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في شَتَّى العوالم يُراقبون ويُديرون جملة العوالم والمخلوقات/ إِنَّ أَعظم نبيّ أَبدىٰ لأُمَّته عناية ورعاية ورأفة ورحمة ليس هو إِلَّا نبيَّنا الأَعظم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ، وهذا نوع زيادة في التَّعَقُّل والخيريَّة. ثُمَّ إِنَّ ما يقوم به (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ) ليس بمنحصر في هذه النشأة الأَرضيَّة ، بل قام به في العوالم السَّالفة ، كعَالَم الذَّرِّ والميثاق ، ويقوم به في العوالم اللَّاحقة ، كعَالَم : (البرزخ الصَّاعد)، و(الرَّجعة)، و(القيامة)، و(الآخرة الأَبديَّة)، وما بعدها. فلا يزال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ وهو في عَالَم البرزخ الصَّاعد ـ مُشْرِفاً على ملفَّات وشؤون وأَحوال جملة المخلوقات غير المتناهية وفي كافَّة العوالم يُراقبها ويُديرها بيده الكريمة ، بل وكذا حال سائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، ومِنْ ثَمَّ ورد في روايات متواترة عند الفريقين : أَنَّ أَعمال الخلائق تُعْرَض عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ، بل وعلى سائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في كُلِّ يوم. فلاحظ : أَوَّلاً : بيان الإِمام الصَّادق صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، عن أَبي بصير، قال : « قلتُ له : إِنَّ أَبا الخطَّاب كان يقول : إِنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ تُعْرَض عليه أَعمال أُمَّته كُلّ خميس . فقال أَبو عبد الله عَلَيْهِ السَّلاَمُ : ليس هو هكذا ، ولكن رسول الله تُعرَضْ عليه أَعمال هذه الأُمَّة كُلّ صباحٍ ، أَبرارها وفجَّارها ، فاحذروا ، وهو قول الله (عَزَّ وَجَلَّ) : [وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْـمُؤْمِنُونَ](1)»(2) . ثانياً : بيان تفسيره صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَيضاً : « قوله : [وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْـمُؤْمِنُونَ] قال : هم الأَئمَّة ، تُعْرَض عليهم أَعمال العباد كُلّ يوم إِلى يوم القيامة»(3). ودلالته ـ كدلالة سابقه ـ قد اِتَّضحت ؛ فإِنَّ أَعمال العباد تُعْرَض عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وعلى سائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ليُراقبوها ويُديروها ويُراعوها ويُزكُّوها ويُربُّوها عبر الدُّهور وعوالم المخلوقات غير المتناهية. وهذا ما تُشير إِليه بيانات الوحي الْأُخْرَى ، منها : بیان قوله تعالىٰ : [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ](4). وتقريب الدلالة واضح ، فإِنَّه بعد اطلاق بيان الآية الكريمة ؛ والاتيان بصيغة الفعل المضارع ـ المفيدة للاستمرار والتَّجدُّد التأبيدي ـ في المواضع الثلاثة ـ (يَتْلُو) وَ(يُزَكِّيهِمْ) وَ(يُعَلِّمُهُمُ) ـ وبمعونة بيانات الوحي الْأُخْرَى ؛ منها ما سياتي (إِنْ شَآءَ اللَّهُ تَعَالَى) دليل على الاستمرار والتَّجدُّد التأبيدي لتزكيته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وتعليمه ومراقبته وتربيته وادارته لأُمُور وأحوال وشؤون كَافَّة المخلوقات عبر جملة العوالم غير المتناهية. وَمِنْ كُلِّ ما تقدَّم يَتَّضِح : الْجَمُّ الْغَفِيرُ من طوائف بيانات الوحي ، منها : الطائفة الأَولىٰ : ويُمثِّلها : أَوَّلاً : بیان سَيِّد الْأَنْبِيَاء منضمّاً إِليه بيان أَمِير الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِما وعلى آلهما ) : « ... أَيُّهَا النَّاس ، خذوها عن خاتم النَّبيِّين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : « إِنَّه يموت مَنْ مات مِنَّا وليس بميِّت ، ويبلىٰ مَنْ بلي مِنَّا وليس ببالٍ» فلا تقولوا بما لا تعرفون ، فإِنَّ أَكثر الحقّ فيما تنكرون ، واعذروا من لا حُجَّة لكم عليه ، وأَنا هو ...»(5). ثانياً : بيان الإِمام الحسن المجتبىٰ منضمّاً إِليه بيان أَبي جعفر صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِما ، قال : «جاء النَّاس إِلى الحسن بن عَلِيّ عَلَيْهِما السَّلاَمُ ، فقالوا : أَرِنا من عجائب أَبيكَ الَّتي كان يرينا ! فقال : وتؤمنون بذلك ؟ قالوا : نعم ، نؤمن والله بذلك . قال : أَليس تعرفون أَبي؟ قالوا جميعاً : بل نعرفه . فرفع لهم جانب الستر فإِذا أَمير المؤمنين عَلَيْهِ السَّلاَمُ قاعد ، فقال : تعرفونه ؟ قالوا بأَجمعهم : هذا أَمير المؤمنين عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، ونشهد أَنَّكَ أَنتَ وليُّ الله حقّاً والإِمام من بعده ، ولقد أَريتنا أَمير المؤمنين عَلَيْهِ السَّلاَمُ بعد موته كما أَرىٰ أَبوكَ أَبا بكر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ في مسجد قُبا بعد موته ، فقال الحسن عَلَيْهِ السَّلاَمُ : ويحكم أَما سمعتم قول الله (عَزَّ وَجَلَّ) : [وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ] (6) ، فإِذا كان هذا نزل فيمن يُقتل في سبيل الله ما تقولون فينا ؟ قالوا : آمنا وصدَّقنا يا بن رسول الله»(7). ودلالته ـ كدلالة سابقه ـ قد اِتَّضحت. الطائفة الثَّانية : ويُمثِّلها : 1ـ بيان أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ... وأنا ... الحُجَّة على أَهل السَّماوات والأَرضين وما فيهما وما بينهما ، وأَنا الَّذي احتجَّ الله به علیکم في ابتداء خلقكم ، وأَنا الشَّاهد يوم الدِّين ، وأَنا الَّذي علمت علم المنايا والبلايا والقضايا وفصل الخطاب والأَنساب ، واستحفظتُ آيات النَّبيِّين المستخفين المستحفظين ... وأَنا الَّذي أَهلكتُ عاداً وثموداً ، وأَصحاب الرسّ وقروناً بين ذلك كثيرة ، وأَنا الَّذي ذلَّلتُ الجبابرة ، وأَنا صاحب مَدْيَن ، ومُهلك فرعون ، ومنجي موسىٰ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ...»(8). 2ـ بيان سَيِّد الْأَنْبِيَاء الوارد في حَقِّ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِما وعلى آلهما) : « يا عَلِيّ ، كُنتَ مع الأَنبياء سرّاً ومعي جهراً»(9). 3ـ بيان أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « كُنتُ مع الأَنبياء باطناً ، ومع رسول الله ظاهراً»))(10). ودلالته ـ كدلالة سابقيه ـ قد اِتَّضحت ؛ فإِنَّها دالَّةٌ على : أَنَّ أَحوال أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ، بل وسائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وشؤونهم وصفاتهم وأَفعالهم تختلف سنخاً وحقيقة عن أَحوال وشؤون وصفات وأَفعال سائر المخلوقات وفي جملة العوالم الإِلٰهيَّة التكوينيَّة غير المتناهية ـ وقد تقدَّم وسيأتي (إِنْ شَآءَ اللَّهُ تَعَالَى) تفصيل ذلك فراجع ـ فيتصرَّفون (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ) وهم في عَالمَهم ـ كعالم الدُّنيا الأُولىٰ ، أَو عَالَم البرزخ ـ بجملة العوالم ومخلوقاتها غير المتناهية ، ويُديرون أُمور تلك العوالم والمخلوقات ويُدبِّرون أُمورها وأَحوالها وشؤونها ، ويزكُّوها ويَبُثُّونَ فيها الْعِلْمَ والمعلومة الحقَّة ؛ فإِنَّ حقيقة الْعِلْم والمعلومة الحقَّة : أَنَّ المخلوق ليس فاعلاً له ولها ، بل مُتَقَبِّل له ولها ومُنفعل به وبها ، مبثوث ومبثوثة عليه من عوالم إِلٰهيَّة تكوينيَّة غيبيَّة صاعدة ، من مخلوقات إِلٰهيَّة مُقدَّسة في عوالم صاعدة ، وهي طبقات حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الصَّاعدة ، المشار إِليها في جَمّ غفير من بيانات الوحي المعرفيَّة ، منها : 1ـ بيان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : « أَنَا مدينة الْعِلْمِ وَعَلِيّ بابها ، وقد أَوجب اللّٰـه على خلقه الاستكانة لِعَلِيّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بقوله : [ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْـمُحْسِنِينَ] (11)»(12). 2ـ بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « أَنَا مدينة الْعِلْمِ وَعَلِيّ بابها ، وَلَنْ يدخل المدينة إِلَّا من بابها ...»(13). 3ـ بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « أَنَا مدينة الْعِلْمِ وَعَلِيّ بابها ، فَمَنْ أَراد الْعِلْمَ فليأتِ الباب»(14). 4ـ بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « أَنَا مدينة الْعِلْمِ وَعَلِيّ بابها ، فَمَنْ أَرَادَ الْعِلْمَ فليقتبسه مِنْ عَلِيٍّ»(15). 5ـ بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « يا عَلِيّ ، أَنَا مدينة الحكمة وَأَنت بابها ، وَلَنْ تُؤْتَىٰ المدينة إِلَّا مِنْ قِبَلِ الباب ...»(16). 6ـ بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « أَنَا مدينة الْعِلْمِ وَعَلِيّ بابها ، فَمَنْ أَراد الحكمة فليأتها من بابها ، وَأَنتم جميعاً مصطرخون فيما أُشكل عليكم من أُمور دينكم إِليه ، وهو مستغن عن كُلِّ أَحَدٍ منكم ؛ إِلى ماله من السَّوابق الَّتي ليست لأَفضلكم عند نفسه ...»(17). 7ـ بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « ... يَا عَلِيّ ، أَنا مدينة الحكمة وَأَنْتَ بابها ، فَمَنْ أَتَىٰ المدينة من الباب وصل ، يا عَلِيّ أَنتَ بابي الَّذي أُوتىٰ منه ، وَأَنا باب اللّٰـه ، فَمَنْ أَتاني من سواك لم يصل ، ومَنْ أَتىٰ سواي لم يصل ...»(18). 8 ـ بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « أَنا مدينة الفقه وَعَلِيّ بابها»(19). ودلالة الجميع قد اِتَّضحت أَيضاً ؛ فإِنَّ أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَـمَّا كانت طبقات حقائقهم الصَّاعدة وتتبعها طبقاتها المتوسطة والنَّازلة هي : نظام عَالَم الوجود على الإِطلاق ، ووسائط الفيض الإِلٰهيّ في قوس النزول ، والوسيلة الإِلٰهيَّة الحصريَّة في قوس الصعود والنزول ، وجنب اللّٰـه ووجهه (جَلَّ شَأْنُهُ) ؛ والسَّبيل والسَّبب والباب والحجاب والرِّباط الإِلٰهيّ الفارد والأَدنىٰ في قوس الصعود والنزول بين الخالق ـ المُسَمَّىٰ ـ (جَلَّ وَعَلاَ) وكافَّة العوالم وسائر المخلوقات بقضِّها وقضيضها على الإِطلاق قاطبة ؛ فلا ينزل فيضٍ ـ كالْعِلْمِ والحكمة والفقه ـ من ساحة القدس الإِلٰهيَّة ولو كان بمقدار مثقال ذرَّةٍ إِلَّا عن سبيلها ، وحيث إِنَّ طبقات حقيقة سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ الصَّاعدة وتتبعها طبقاتها المتوسطة والنَّازلة مُتقدِّمة رُتْبَةً على سائر طبقات حقائق سائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ نابها الأَكبر وسنامها الأَطول ، وهامتها الأَعظم ، ورأس هرمها ، والأَلصق بالذَّات الإِلٰهيَّة الأَزليَّة المُقدَّسة على الإِطلاق ، أبد الآباد ودهر الدُّهور كانت طبقات حقيقته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : الظهور والتَّجلِّي الأَعظم على الإِطلاق لحقيقة علم الذَّات الإِلٰهيَّة المُقدَّسة وحكمته وفقهه (جَلَّ قُدْسه) ، فصارت ذاته وحقيقته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : مدينة الوحي والْعِلْم والفقه الإِلٰهيّ ، والحكمة الإِلٰهيَّة ، ونظام لا يختل ولا يتبدَّل ولا يتخلَّف ولا يختلف أَبداً ، وبحور زاخرة لا تنزف ، وكنوز لا تفند ، وجبال شامخة لا تُقْهَر ، الكالّ عن نعتها أَفهام النَّاعتين ، والعاجز عن وصفها لسان الواصفين . وحيث إِنَّ طبقات حقيقة أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ التَّالية والأَلصق بها على الإِطلاق كان كُلُّ ما يرد من خيرٍ ووحيٍ إِلٰهيٍّ ، وعلومٍ وحِكَمٍ إِلٰهيَّةٍ وفقهٍ إِلٰهيٍّ لجملة العوالم ولطُرِّ المخلوقات ، وعبر كافَّة النَّشَآت ؛ من بداية الْخِلْقَة وعبر سالف الأَزمان وغابر الدُّهور إِلى أَبد الآباد ودهر الدهور ما دام للّٰـه حاجة في خلقه لا يكون إِلَّا عن طريق باب فارد أَوحد : طبقات حقيقة أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ليس إِلَّا ، مفاتيح أَبواب الكرم ، ومجاديع هواطل النعم ، مَنْ أَتاها عرف من أَين تؤكل الكتف ، ومَنْ تخلَّفَ عنها كَمَنْ يتعلَّق بنسيج العنكبوت للعروج إِلى أَسباب السَّماوات!! وهذا ما يُشِير إِليه بيان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : « لو يعلم النَّاس متىٰ سُمِّيَ عَلِيّ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لَـمَا أَنكروا فضائله ، سُمِّيَ بذلك وآدم بين الرُّوح والجسد ، وحين قال اللّٰـه : [أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى] (20) فقال اللّٰـه تعالىٰ : أَنَا رَبّكم ، وَمحمَّد نَبِيُّكم ، وَعَلِيّ أَميركم»(21) ، منضمّاً إِليه بيان أَبي جعفر صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، عن عبد المؤمن الأَنصاري ، قال : « قلتُ له : لِمَ سُمِّيَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ؟ قال : لأَنَّ ميرة المؤمنين منه ، وهو كان يميرهم الْعِلْم»(22) ، وبيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً ، عن جابر ، قال : « قلتُ : جُعِلْتُ فداك ، لِمَ سُمِّيَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ؟ قال : لأَنَّه يميرهم الْعِلْم ، أَمَا سمعتَ كتاب اللّٰـه (عَزَّ وَجَلَّ) : [وَنَمِيرُ أَهْلَنَا](23) »(24). فإِنَّ البيان الأَوَّل دالٌّ على أَنَّ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ تمتَّع بهذا المقام الإِلٰهيّ وهو في عَالَم الذَّرِّ والميثاق ، والبيان الثَّاني والثَّالث دالَّان على أَنَّ دور هذا المقام علَّة فاعليَّة لإِمارة الْعِلْمِ وإِفاضته وتزويد المخلوقات به ، وحيث إِنَّ المقام والهبة الإِلٰهيَّة أَمر تكوينيّ يُفعَّل لدىٰ المخلوق من حين تمتُّعه به كان أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ هو (العلَّة الفاعليَّة) لإِمارة المخلوقات وتزويدها بالْعِلْمِ والمعرفة في العوالم السَّابقة ، كـ : عَالَم : الذَّرِّ والميثاق ، والبرزخ النَّازل ، والأَصلاب ، والأَرحام . ويُشِير إِلى هذه القضيَّة في عَالَم الأَصلاب بيانه (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « ... وأَنا الخضر عَالَم موسىٰ ، وأَنَا مُعَلِّم سليمان بن داود ...»(25). /جملة علوم طُرّ المخلوقات وفي كافَّة العوالم لا تكون إِلاَّ مِنْ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ / وممَّا تقدَّم يتَّضح : الجمّ الغفير من بيانات الوحي ، منها : أَوَّلاً : بيان أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، مخاطباً كميل بن زياد : « يا كميل ، ما مِنْ عِلْم إِلَّا وأَنا أفتحه ...»(26). ثانياً : بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « عِلْم ما كان وما يكون كُلّه في القرآن الكريم ، وعِلْم القرآن كُلّه في سورة الفاتحة ، وعِلْم الفاتحة كُلّه في البسملة منها ، وعِلْم البسملة كلّها في بائها ، وأَنَا النقطة تحت الباء»(27). ثالثاً : بيان الإِمام الباقر صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ... ليس أَحَد عنده عِلْم شيءٍ إِلَّا خرج من عند أَمير المؤمنين صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ؛ فليذهب النَّاس حيث شاءوا ، فواللّٰـه ليأتين الأَمر هٰهنا . وَأَشار بيده إلى صدره»(28). رابعاً : بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « أَمَا إِنَّه ليس عند أَحَدٍ عِلْم وَلَا حَقّ وَلَا فتيا إِلَّا شيء أُخذ عن عَلِيّ بن أَبِي طالب عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، وَعَنّا أَهل البيت ، وما مِنْ قضاءٍ يُقْضَىٰ بِهِ بحقٍّ وصوابٍ إِلَّا بدء ذلك ومفتاحه وسببه وعِلْمه مِنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَمِنّا . فإِذا اختلف عليهم أَمرهم قاسوا وعملوا بالرأي ، وكان الخطأ مِنْ قِبَلهم إِذا قاسوا ، وكان الصَّواب إِذا اتَّبعوا الآثار من قِبَلِ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ »(29). خامساً : بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « كُلُّ ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل»(30). سادساً : بيان الإِمام الصَّادق صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ... أعلم ما في المشرق والمغرب ، وَمَا في السَّماوات والأَرض ، وَمَا في البرِّ والبحر وعدد ما فيهنَّ ، وليس ذلك لإِبليس وَلَا لملك الموت»(31). سابعاً : بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « ... فكُلُّ عِلْمٍ خرج إِلى أَهل السَّماوات والأَرض فمنَّا وعنَّا ...»(32). ودلالتها قد اِتَّضحت أَيضاً ؛ فإِنَّه إِضافة إِلى إِطلاقها وما تقدَّم بيانه دالَّة بقرينة ما تقدَّم أَنَّه لا يوجد عِلْمٌ ولا حقٌّ ولا فتيا ولا صوابٌ من بداية الْخِلْقَة إِلى ما لا نهاية ، لدىٰ كُلّ العوالم وجميع المخلوقات إِلَّا وكان أَمِير الْمُؤْمِنِينَ وسائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ هم الْعِلَل الفاعليَّة لها ؛ لكون طبقات حقائقهم صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم الصَّاعدة هي الصِّفات والأَسمآء الإِلٰهيَّة ، كـ : الاسم الإِلٰهيّ : (الوهاب ، والعليم ، والهادي ، والمغني ، والنَّافع ، والنُّور ، والوارث ، والرشيد) ، ووسائط الفيض الإِلٰهيَّة ، والْعِلَل التَّكوينيَّة الفاعليَّة الإِلٰهيَّة ، والأَسباب الإِلٰهيَّة التَّكوينيَّة ، يُفاض من خلالها كُلّ خيرٍ وعِلْمٍ وحكمةٍ وحقٍّ وفتيا وصوابٍ ؛ على طُرِّ العوالم وجملة المخلوقات من بداية الْخِلْقَة والوجود إِلى ما لا نهاية ، في هذه النَّشْأة وفي سائر النَّشَآت. ومنه يتَّضح : ما تقدَّم من بيان أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ... وأَنا النقطة تحت الباء» ، أَي : (باء الاِسْتِعَانَة) ؛ فعِلْم ما كان وما يكون كلّه موجود في القرآن الكريم ، وعِلْم القرآن كلّه في سورة الفاتحة ، وعِلْم الفاتحة كلّه في البسملة منها ، وعِلْم البسملة كُلّه في بائها ، وأَمِير الْمُؤْمِنِينَ هو : (باء الاِسْتِعَانَة) ، أَي : أَنَّه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ هو : النقطة والمحور والوسيلة والباب الَّذي لا يمكن لأَحدٍ قَطُّ ـ سواء كان نبيّاً مرسلاً أَم ملكاً مُقرَّباً أَم مؤمناً ممتحناً ـ في جملة العوالم والنَّشَآت اِحْتِوَاء خيرٍ ووحيٍّ وعِلْمٍ وحكمةٍ وحقٍّ وفتيا حقَّةٍ وصوابٍ وهلمَّ جرّاً إِلَّا بعد التَّوسُّل والتَّشَبُّت والاِسْتِعَانَة بطبقات حقيقته ؛ وطبقات حقائق سائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وإِلَّا فشطط كلام وشطح مقال ، شعر المخلوق بذلك أَم لا. /وحي القرآن لا يكون إِلاَّ من طبقات حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ/ /وحي القرآن شُعاع من بحور وحي حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ/ ومنه يتَّضح : أَنَّ ما يأتي به جبرئيل عَلَيْهِ السَّلاَمُ من وحي لا يكون إِلَّا بتوسُّط طبقات حقيقة سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ المتوسطة ؛ لأَنَّها المنبع ، وبتوسط طبقات حقيقة أَمير المؤمنين وسائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ المتوسُّطة أَيضاً ؛ لأَنَّها باب ذلك المنبع المُقدَّس . بل الوحي الصَّاعدة ـ وحي (روح القدس) حقيقة القرآن الكريم الصَّاعدة ـ لا يكون منبعه إِلَّا الطَّبقات الصَّاعدة لذات حقيقة سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ، وباب إِفاضته ونزوله على مراتب طبقات ذات سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ المُتوسِّطة لا يكون إِلَّا طبقات حقائق ذات أَمِير الْمُؤْمِنِينَ وسائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الصَّاعدة. بل وحي القرآن الكريم بطبقته الصَّاعدة ـ أَي : طبقة (روح القدس) و(الروح الأَمري) ـ فضلاً عن النَّازلة لا يكون إِلَّا شيء يسير وشعاع نازل من أَشعَّة نور وبحور وحي ذوات وحقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الطمطامة المُتلاطمة وغير المُتناهية أَبد الآباد ودهر الدُّهور. وهذا ما تُشير إِليه بيانات الوحي ، منها : بيان الإِمام الحسن العسكري صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « قد صعدنا ذرىٰ(33)الحقائق بأَقدام النُّبُوَّة والولاية ، ونوَّرنا(34)سبع طبقات أَعلام الفتوىٰ بالهداية ، فنحن ... غيوث الندىٰ ... وروح القدس في جنان الصَّاقورة(35)ذاق من حدائقنا الباكورة ...»(36). ودلالته قد اِتَّضحت ؛ فإِنَّه بعدما تقدَّم وسيأتي (إِنْ شَآءَ اللَّهُ تَعَالَى) من أَنَّ حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الصَّاعدة هي : وسائط الفيض الإِلٰهيّ الحصريَّة الفاردة ، والوسيلة الإِلٰهيَّة التَّكوينيَّة الحصريَّة ، ووجه اللّٰـه ، والسَّبيل والسَّبب والباب والحجاب والرباط الإِلٰهيّ التَّكويني الحصري والأَدنىٰ بين الخالق ـ المُسَمَّىٰ ـ (جَلَّ وَتَقَدَّسَ) ، وكافَّة العوالم وسائر المخلوقات غير المتناهية وسيأتي (إِنْ شَآءَ اللَّهُ تَعَالَى) ، وتقدَّم أَيضاً : أَنَّ طبقات حقائقهم (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم) الصَّاعدة هي : الأَسمآء والصِّفات الإِلٰهيَّة ذاتيَّة كانت أَم فعليَّة ، وتقدَّم كذلك : أَنَّ نفس القرآن الكريم وصف وحي حقيقته بصيغة الماضي (أَوحينا) الدَّالَّة على المحدوديَّة والتناهي ، ووصف وحي حقيقة سَيِّد الْأَنْبِيَاء وبالتَّبع سائر حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في أَكثر من بيانٍ بصيغة المضارع (يُوحَىٰ) الدَّالَّة على الاستمرار والتجدُّد التأبيدي ، يتَّضح ويتجلَّىٰ هذا البيان الشَّريف أَكثر ، لاسيما عجزه ؛ فإِنَّ المراد من بيان قوله صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « وروح القدس » أَي : حقيقة القرآن الكريم الصَّاعدة ، والمُعبَّر عنها في بيانات الوحي الأُخرىٰ بـ : (الرُّوح الأَمري) ، وهو شُعْبَة من شُعَب أَرواح أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وشريحة صغيرة من أَرواحهم المُقدَّسة ، ومرتبة هذه الرُّوح في السَّمآء الرَّابعة أَو الثَّالثة ـ على اختلاف التَّفاسير ـ ، موجودة في جنَّة أسمها : (الصَّاقورة) على وزن فاعولة ، مأخوذة من مادَّة الصغر ـ هذا بالقياس إِلى جنان وحدائق وحي ومعارف حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الأُخرىٰ الصَّاعدة ـ وفي هذه الجنَّة يأخذ روح القدس ـ أَي: حقيقة القرآن الكريم الصَّاعدة ـ وحيه ومعارفه من حدائق وبحور حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الطمطامة غير المتناهية ، لكن : كُلّ ذلك الوحي الشَّريف وتلك المعارف الإِلٰهيَّة الخطيرة الَّتي حوتها حقيقة القرآن الكريم الصَّاعدة لم تتعدَّ مقام الذوق ، أَي : شيء محدود وقليل جِدّاً بلحاظ ما عند أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ من وحيٍّ غير متناهٍ ، وكميَّة الذوق ونوعيَّته كانت بمقدار الباكورة ، أَي : من ثمار بحور معارف ووحي حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ غير المتناهي ؛ لكن في بداية نضوجها ، وهذا دالٌّ على مدىٰ عظمت وخطر وهول ما تحويه حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ من وحي ومعارف إِلٰهيَّة. إِذَنْ : حقيقة القرآن الكريم ووحيه ومعارفه وإِنْ كانت بنفسها وبلحاظ ما تحتها غير متناهية وعظيمة ومهولة جِدّاً ، لكنَّها إِذا قيست إِلى ما فوقها ؛ أَي : إِلى حقائق وحي ومعارف أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الصَّاعدة كانت شعاعاً ضعيفاً ونازلاً من أَشعَّة نور وبحور وحيهم ومعارفهم وحقائقهم (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم) الطمطامة المتلاطمة غير المتناهية أَبداً وأَزلاً. وهذه قاعدة عظيمة جِدّاً لفهم معضلات أَحوال وشؤون أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . فالتفت ، وتدبَّر جيِّداً ، واغتنم. وعليه : فوحي القرآن الكريم ـ سوآء كان الوحي النَّازل عن طريق جبرئل عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، أَو الوحي الصَّاعدة عن طريق (روح القدس) ـ من سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ؛ لكونه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قمَّة الهرم ، إِلى سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ . فتأَمَّل جيداً. وهذه وغيرها نِكَاتٌ بِكْرٌ ما فُضَّت من قبل قَطُّ ، خذها واغتنم ، وعظ عليها بضرس قاطع تربت يداك. /أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مُعلِّمون إِلهيُّون لجملة الخلائق وفي كافَّة العوالم/ وهكذا تتَّضح : بيانات الوحي الشَّريفة الأُخرىٰ ، منها : أَوَّلاً : بيان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : « ... إِنَّ اللّٰـه تعالىٰ خلقني وخلق عليّاًعَلَيْهِ السَّلاَمُ قبل أَنْ يخلق آدم ... ثُمَّ خلق الملائكة فسبَّحنا وسبَّحَت الملائكة ، فهلَّلنا فهلَّلت الملائكة، وكبَّرنا فكبَّرت الملائكة ، وكان ذلك بتعليمي وتعليم عَلِيّ ، وكان ذلك في علم اللّٰـه السَّابق : أَنَّ الملائكة تتعلَّم مِنَّا التَّسبيح والتَّهليل ، وكلّ شيءٍ يُسَبِّح للّٰـه ويُكبِّره ويُهلِّله بتعليمي ، وتعليم عَلِيّ ...»(37). ثانياً : بيانه سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيضاً : « ... إِنَّ اللّٰـه خلقني وعليّاً من نورٍ واحدٍ قبل خلق آدم ... ثُمَّ خلق الأَشياء من نوري ونور عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ... فَكُلّ مَنْ سَبَّحَ اللّٰـه وكبَّره فإنَّ ذلك من تعليم عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ »(38). ثالثاً : بيان الإِمام الصَّادق صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ... لم نزل أَنواراً حول العرش نُسَبِّح فيُسَبِّح أَهل السَّمآء لتسبيحنا ، فَلَمَّا نزلنا إِلى الأَرض سَبَّحْنا فَسَبَّحَ أَهل الأَرض ، فَكُلُّ علمٍ خرج إِلى أَهل السَّماوات والأَرض فَمِنَّا وَعَنَّا ...»(39). ودلالتها قد اِتَّضحت، فإِنَّ طبقات حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الصَّاعدة لَـمَّا كانت هي واسطة الفيض الإِلٰهيّ الفاردة ، وجنب اللّٰـه ووجهه الكريم ، والوسيلة الإِلٰهيَّة الوحيدة ، والسَّبيل والسَّبب والباب والحجاب والرباط الإِلٰهيّ الأَدنىٰ الحصري بين الخالق ـ المُسَمَّىٰ ـ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) وجملة العوالم وسائر المخلوقات ، فكلّ ما كان يصدر إِلى الملائكة وينزل عليها وعلى سائر المخلوقات من سَاحَةِ الْقُدْسِ الْإِلَهِيَّةِ مهول وخطير وعظيم كان ذلك الشيء النَّازل أَم كان بمقدار حبَّةٍ من خردلٍ ، لا يكون إِلَّا عن طريق حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، فيكونوا (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم) بلحاظ العلم وسائر المعارف الإِلٰهيَّة مُعلِّمين إِلٰهيِّين لكافَّة الملائكة وجملة بقيَّة المخلوقات ؛ في سائر العوالم والنَّشَآت ، من بداية الْخِلْقَة إِلى مالا نهاية. وهذه من المطالب الَّتي لم يتعرَّض إِليها أَصحاب علم : (الكلام) ، و(الفلسفة) ، و(العرفان) ، بل تعريفهم لماهيَّة وحقيقة النُّبوَّة والإِمامة الإِلٰهيَّتين دالٌّ على اِنْقِطَاعهما بمُجَرَّد اِلتِحَاق سَيِّد الْأَنْبِيَاء وسائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بالرفيق الأَعلىٰ وانتقالهم لعَالَم البرزخ الصَّاعدة مع أَنَّ بيانات الوحي البالغة حدّ التواتر اللَّفظي والعقلي، بل فوقهما صارخة بأَنَّهم (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم) لازالوا يتمتَّعون بحياةٍ غَضَّةٍ طريَّةٍ ؛ يمارسون من خلالها نفس الأَدوار والأَعمال السَّابقة من تعليم الأُمَّة ورعايتها وتربيتها وتزكيتها ، بل وتعليم الكُفَّار والمشركين والمُلْحِدِين ورعايتهم وتربيتهم وتزكيتهم مادام هناك خطّاً وطريقاً للعودة إِلى جادَّة الحقّ وصراط الله الُمستقيم ، والَّتي أُخذت عليهم العهود والمواثيق في العوالم السَّابقة كعَالَم الذَّرّ والميثاق للبقاء علیه وعدم الزيغ والانحراف عن جادته. وهذه الأَدوار الَّتي يقومون صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بها تبقىٰ مستمرَّة في (عَالَم البرزخ) ، و(عَالَم الرَّجعة) ، و(عَالَم القيامة) ، و(عَالَم الآخرة الأَبديَّة بِجِنَانه ونِيرَانه) ؛ وفي العوالم الآتية بعد عَالَم الآخرة الأَبديَّة. بل أَنَّهم (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم) قاموا بهذه الأَعمال والأَدوار من بداية الْخِلْقَة والوجود قبل خِلْقَة آدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ . فانظر: بيانات الوحي ، منها : بيان الإِمام الصَّادق صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، عن الُمفضَّل ، قال : « قال لي أَبو عبد الله عَلَيْهِ السَّلاَمُ : يا مُفضّل ، أَمَا علمتَ أَنَّ الله تبارك وتعالىٰ بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وهو روح إِلى الأَنبياء عَلَيْهِم السَّلاَمُ وهم أَرواح قبل خلق آدم بأَلفي عام ؟ قلتُ : بلىٰ . قال : أَمَا علمتَ أَنَّه دعاهم إِلى توحيد الله وطاعته واتباع أَمره ووعدهم الجنَّة على ذلك، وأَوعد مَنْ خالف ما أَجابوا إِليه وأَنكره النَّار؟ فقلتُ بلىٰ ...»(40). ودلالته واضحة ولا غبار عليها. وَمِنْ كُلّ ما تقدَّم يتَّضح : أَنَّ جلَّ الإِشكالات المثارة على النُّبوَّة والإِمامة الإِلٰهيَّتين ناشئة من قصور تعاريف الفريقين لهما. وكُلُّ ما تقدَّم منبِّه على مدىٰ سعة حقيقة النُّبوَّة والإِمامة الإِلٰهيَّتين. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)التوبة: 105 . (2)بصائر الدرجات، 2: 318/ح1506ـ4 . (3) بصائر الدرجات، 2: 322ـ 323./ ح1522ـ4. (4) الجمعة : 2. (5) نهج البلاغة، خ86: 143. (6) البقرة: 154. (7) بحار الأَنوار، 43: 328/ح8. (8) مختصر البصائر: 130/ح102 ـ 2/. (9) الأَنوار النعمانيَّة ، 1 : 30. معارج العُلىٰ (مخطوط). (10) مصباح الهداية : 142. (11) البقرة : 58. (12) بحار الأَنوار، 24: 203. (13) بحار الأَنوار، 31: 436. (14)بحار الأَنوار، 31: 34/ح189. (15) بحار الأَنوار، 40: 203/ح9. الإِرشاد، المفيد: 15. (16) بحار الأَنوار، 23: 126/ح53. أَمالي الصدوق: 162. إِكمال الدِّين: 140. (17) بحار الأَنوار، 28: 199/ح6. (18) بحار الأَنوار، 40: 204. (19) تذكرة خواص الأَئمَّة: 29. اللآلي المصنوعة، 1: 329. طبعة بيروت. (20) الأَعراف: 172 . (21) بحار الأَنوار، 26: 278/ح20. (22) بحار الأَنوار، 37: 295/ح11. بصائر الدرجات: 149. (23) يوسف : 65 . (24) بحار الأَنوار، 37: 293/ح7. معاني الأَخبار: 63. علل الشرائع: 65. البرهان: 258. (25) بحار الأَنوار، 26: 5/ح1. (26) بحار الأَنوار، 74: 266 ـ 277/ح1. بشارة المصطفى: 29. (27) مشارق أَنوار اليقين: 25. (28) بحار الأَنوار، 2: 94/ح34. بصائر الدرجات، 1: 46/ح55. (29) بحار الأَنوار، 2: 95/ح36. (30) مختصر البصائر: 198/ح179 ـ 20. (31) بحار الأَنوار، 63: 275 ـ 276/ح163. دلائل الإِمامة: 125. (32) بحار الأَنوار، 25: 24/ح41. (33) الذُّرىٰ : جمع (الذُّرْوَة) ، وهو : العلو والمكان المرتفع . وأَعلىٰ الشيء وقمَّته. (34) في نُسخة : (ونوَّرنا سبع طبقات النُّبوَّة والهداية) . وفي أُخرىٰ : (سبع طبقات أَعلام الفتوَّة والهداية). (35) في نسخة : (الصَّاغورة). (36) بحار الأَنوار، 26: 264ـ 265/ ح50. (37) بحار الأَنوار، 26: 345ـ 346/ح18. إِرشاد القلوب: 215 ـ 216. (38) بحار الأَنوار، 25: 24/ح42. (39) بحار الأَنوار، 25: 24/ح41. (40) بحار الأَنوار، 15: 14/ح17